رواية 1
الضفة الأخرى
قال الراوي:
وقفت بجانب الطريق الرئيس الذي يفصل الحي و يقسمه إلى قسمين متساويين ؛ كانت الحوانيت ذات المساحات الكبيرة تزينه من الجهتين و الناس في غدوها و رواحها كالنحل.. و هي في جلها حوانيت مواد بناء و مواد كهربائية و عقاقير . خرجت للتو من البيت متجها نحو المقهى القريب من المكان تفاجأت لهذا الكم من جثث القطط و هي ملقاة في كل زاوية و كأن الامر يتعلق بمجزرة رهيبة حدثت في جنح الظلام و أهل الحي نيام مما أضفى على الاجواء هالة من العفن والتقزز ارهقت النفوس ؛ منظرها وهي ميتة ومرمية على جانب الطريق لم يكن منظرا مستحبا كان الناس يتحاشونها و يقفزون فوقها وهم يعلقون و يعبرون عن استياءهم من هذا الحال الذي شوه الحي . لم يكن أحد يعرف من كان وراء مقتل هذه المخلوقات الضعيفة وما هو السبب من وراء قتلها .
قال الرجل السمين المتكىء على الجدار و هو يلعب ببعض النقود في يده .
_البارحة ليلا رأيت بأم عيني شاحنة صغيرة وهي تدهس مجموعة من القطط وتفر هاربة
حاولت اللحاق بها لكن هيهات لقد غادرت المكان بسرعة فائقة. كانت ليلة عصيبة لم أتوقع أن أعيش مثلها على الاطلاق.
قال آخر :
_ لا أظن ذلك فالعدد كبير وليس معقولا أن تكون السيارات وراء كل هذه الجثث .
عمي أحمد يصف الأمر بالعادي و لست أدري كيف يمكن أن نسمي الأمر عاديا في مثل هذه الظروف؛ حتى قط السي الطاهر وجد ميتا هو الآخر غير بعيد عن منزله ، لقد كان ممزق الأحشاء في صورة مرعبة وكأن وحشا مفترسا تلاعب بجثته ؛ راح عمي أحمد يعلل ماحدث قائلا:
_ لقد افترسته الكلاب الضالة..
كان لسي الطاهر قصة مع القط ميموز ؛ ينتظره كل صباح عند باب الحي ؛ يطعمه و يسقيه و استمر على تلك الحال لفترة طويلة غير انه في الفترة الأخيرة غاب عنه لم يعد يلقاه كالمعتاد تبدل حاله سكنه القلق يتساءل لماذا لم يعد يأتي آلمه هذا الفراق المفاجيء ترى هل أحبه ام هي صحبة عابرة تولدت من فراغ... لابد أن مكروها قد حل به ؛ كم هو محزن أمر هذه المخلوقات الضعيفة انها عرضة لكل الأخطار . توالى الانتظار و لم يتحقق اللقاء فعرف السي الطاهر أن ميموز قد اصابه مكروها فهو لم يتعود على هكذا غياب ؛ الذكريات لا تمحى رغم جفاف القلب تبقى كالوشم ظاهرة للعيان يمسح بها المرء همومه و أحزانه ؛ قد يضيق الحال فتحتاج النفس إلى دواء يزيل عنها ما يعلق بها من بقايا القلق ؛ القلق يفسد العيش يقتل الاقدام فامثال السي الطاهر يحاولون . بعث روح جديدة في جسد انهكته الاحداث المتعاقبة ؛ فقد تلتفت إليك الحياة في أخر العمر فتلقى منها ما لم تلقاه طوال ماضيك ...في ذلك المساء الكئيب وجد القط ميموز ميتا في البستان القريب من الحي وعلامات هجوم عنيف بادية على جثته...يتبع
توفيق الاديب صاولي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق