الجمعة، 2 فبراير 2018

قصة قصيرة بقلم الكاتب المصطفى بلقائد

قصة قصيرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اِستلقيتُ فوق السرير الخشن الذي طالما فكَّرتُ في تغييره،لكن دون أن يحصل ذلك؛واتَّكَأْتُ على جنبي الأيسر وأغمضتُ عينايَ وأخذتُ أفكِّرُ بامتعاضٍ.بعد حين،أخذتْ أولى قطراتِ المطر تُعلنُ قدومَ فصل الشتاء وهي تنقرُ قصدير البرَّاكة نقْراً تقشعرُّ لهُ الأبدان.وفي هذه الأثناء،صاح إبني الصغير:
ــــــ بابا،بابا!...أخي حسن سرقَ خبزي!...
وأجهشَ بالبكاء حين لم أجبْه.
بعد لحظات،اِستلقتْ بجانبي زوجتي ووكزتني بمرفقها وهمستْ قائلة:
ـــــــ ألا ترى أنَّ إبنتك نورا تكبر؟...
فقلتُ بنرفزة:
ــــــ ماذا يعني ذلك؟...لا بدَّ أن تكبر...ماذا تعنين بذلك؟...
وقبل أن تجيب صاحتْ تؤنب إبني حسن،ثم تابعتْ:
ـــــ سأوقفها عن الدراسة...
فصحتُ غاضباً:
ــــــ لماذا؟
ــــــ لتُعيننا...أنتَ لم تعدْ تربحُ شيئا...عمل البنَّاء لا ينفع...فذلك المبلغ لا يكفي للمصروف...وأنتَ تدخِّن وتزيدنا بذلك هماًّ وجوعاً...ماذا تعشى الأبناء؟...الشاي وزيت الزيتون والخبز؟...هل هذه عيشة؟...
ــــــ وماذا بيدي أن أفعل،يا امرأة؟...هذا كل ما أستطيع...
ــــــ إذن...على نورا أن تُعيننا...لقد تحدثتُ مع إحدى النساء...سترافقها...
ــــــ إلى أين؟
ـــــــ حانة ليلية...
فاستويتُ في مكاني جالساً،وإذا بزخة مطرية قوية هوتْ فوق القصدير.فانتظرتُ حتى هدأتْ وقلتُ بانزعاج:
ـــــــ يا امرأة!...هل تفكِّرين فعلا أن تُكرهي إبنتك على البغاء؟...
ـــــــ قالتْ لي تلك السيدة بأن هناك شخص بإمكانه أن يشتري لنا منزلا من الآجر ويدفع لنا مبلغا جميلا في حال إنْ قبلنا أنْ يفتضَّ بكارة نورا ويقضي معها بضعة أيام...ذلك الشخص يسبحُ في المال...
ــــــ هل جُننتِ؟...
وحينها توالت الزخات المطرية التي أرغمتني على السكوت.
في الغد،استيقظتُ باكرا وغادرتُ المنزل وأنا في حالة عصبية لا تُتصوَّر.في الحقيقة،كنتُ أبحثُ عن حل؛فهذا العيش المنحوس يؤثر بشكل قوي على الإحساس والعقل.لكني لم أذهب كعادتي لذلك المكان الذي نسميه:'' الموقف ''،حيثُ يقف هناك عدد غفير من البنَّائين في انتظار أن يظهر من يحتاج إليهم للعمل.لقد غيَّرتُ وجهتي صوب المنطقة الراقية حيثُ يتواجدُ الأغنياء،وتوقفتُ في إحدى الزوايا أُراقب.كنتُ عزمتُ على السرقة؛فأبنائي لم أتركْ لهم ولو سنتيما ليتناولوا طعام الفطور،وأنا كذلك كنتُ في حاجة ماسة وفورية للسجائر وبعض المال.فشرعتُ أتابعُ تدفُّق الأغنياء في سياراتهم الفارهة نحو ذلك السوق الذي كنتُ أقف غير بعيد عنه.وفي إحدى اللحظات،رأيتُ سيارة جميلة تتوقف على بعد أمتار مني؛وكانت صاحبة السيارة تظهر لي بوضوح وهي جالسة أمام المقود.فشاهدتها تفتحُ حقيبة يدها وتُخرجُ منها رزمة من الأوراق النقدية وتبدأ في عدِّها.وحين انتهت،أعادتها لداخل الحقيبة ونزلت من السيارة.في تلك اللحظة أخذتُ أرتجف من أعلى رأسي إلى أخمص قدماي وأنا عيناي جاحظتان في حقيبة اليد.ولم أتردد...وأطلقتُ ساقاي للريح...وانتزعتُ الحقيبة...لكن لسوء الحظ،تلك السيدة كانت تقبض عليها بقوة...وقبل أن أقوم بمحاولة ثانية،صوَّبتْ إلي ركلة بقدمها اصطدمتْ بوجهي وأسقطتني أرضا؛ثم انقضَّتْ علي كنمرة غاضبة وشرعتْ تسدد إلي اللكمات حتى اجتمع حولنا حشد غفير فساعدوها على اعتقالي.وهم يقتادونني نحو مركز الشرطة،سمعتُ أحدهم يقول:
ــــــ لم يجدْ من يسرقْ إلا السيدة مريم صاحبة الحزام الأسود في الكاراتيه...
......................................................................................................
في أول جلسة لقاء لي مع أسرتي في السجن،رأيتُ تغييرا واضحا على ملامحهم.فوجوه أبنائي بدَتْ شيئا محمرة وحتى ملابسهم كانت أنيقة بعض الشيء.وما أنْ عانقني إبني الصغير حتى صاح بابتهاج:
ــــــ بابا،بابا!...أكلنا اللحم...ونسكن في منزل جميل...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصطفى بلقائد،الكاتب الشاعر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق