الجمعة، 2 فبراير 2018

رواية ملح الشراب الجزء الثامن بقلم الشاعر مصطفى الحاج حسين

رواية .. ( ملح السّراب )

                           الفصل ( الثامن )

                الكاتب : مصطفى الحاج حسين .

            إنتشر الخبر وتسرّب بين الأولاد في كلّ

أزقّة البلدة ، والكل صار يعلم أنّ المدعو ( زكور

الصّخلة ) الملقّب بأبي ( درخوش ) وهو صاحب

حمير ( التّشباية ) التي يقودها صباح كلّ يوم أحد ،

من أيّام الرّبيع ، إلى البازار ليتكسّبَ بها بضعة

نقود .

       حيثُ كانَ الأولاد يتجمّعونَ ، ومنهم من

يهرب من المدرسة ، بدافع الفضول والرٌغبة

في رؤية عمليّة ( التٌشباية ) شاعرينَ

بالمتعة والإثارة ، مشدوهين ، مسلوبي

الأبصار ، ضاحكين ومهتاجين .

       وكان أبو ( درخوش ) المعتاد على

القيام بهذه العمليّة ، منهمكاً بها إلى درجة

الانفعال ، يسحب الحمارة التي ستحبل

اعتباراً من هذا اليوم ، ويتركُ حماره الضّخم

يقترب من الحمارة ، بضعة دقائق يتشمّمها

حتّى يثار ويهتاج ، فيقترب منهما أبو

( درخوش ) ويهمس بأذن حماره ، كلمة

( زقردو ) فيقفز الحمار ، ويعتلي بقوائمه

ظهر الحمارة ، آخذاً بعضّها من ظهرها ، في

تلك اللحظة ينتبه أبو ( درخوش ) لوجود

الأطفال وهم مثارون ومهتاجون ويصرخون

ويصفّرون ، فيصرخ بهم غاضباً :

-  إذهبوا من هنا يا أولاد ( القحبة ) والله يا

( عرصات ) لو أمسكتُ واحداً منكم بيدي

لتركت الحمار يفعل به ، مايفعله مع هذه

الحمارة .

       ويتابع كلامه وهو أكثر هياجاً حين يرى

قهقهات الصّغار الخبيثة :

- إذهبوا ، تفرّجوا على آبائكم وأمٌهاتكم .

ثمّ يردف قائلاً جملته المعروفة :

- ( جيل بندوق ) .

       بعد ذلك يخرج من جيب  ( شرواله )

الأسود ، علبة دخانه الصّدئة ، ويبدأ بدرج

سيكارته الغليظة ، متناسياً أنّه قبل قليل ،

أمسكَ بيديه عضو حماره ليضمّه في

الحمارة .

       ولكن الجديد في الأمر ، هو الخبر

السّار  الذي إنتشر مؤخّراً ، ومفاده أنّ أبا

( درخوش ) قد افتتح فرعاً خاصّاً ، من أجل

تقديم المتّعة للأولاد . يأخذ من الولد ربع

ليرة مقابل أن يسمح له بالإختلاء ( بالكرٌة )

الزّرقاء التي اشتراها لأجل هذا .

       قرر ( رضوان ) وابن عمّه ( سامح )

وبعض رفاقهم من أولاد الحارة ، الذهاب

إلى دار أبي ( درخوش ) ، وكان عددهم

عشرة حينما طرقوا بابه . خرج عليهم ( أبو

درخوش ) وكان مبتسماً ، وكانت هذه أوّل

ابتسامة يروها له ، قال مرحّباً :

- أهلاً وسهلاً بالشباب ، تفضّلوا .

       ولمّا كان الحياء يمنع الأولاد من الكلام ،

لتوضيح سبب مجيئهم ، لكن أبا

( درخوش )  عرف ذلك فقال بعجلة :

- أدخلوا ، لا يجوز أن يراكم أحد واقفين

هكذا .

       دخل الأولاد وهم في أشدّ أنواع الحرج

والإرتباك ، صاروا وسط باحة الدار الخربة ،

وأخذوا باشعال السّجائر ليواروا خجلهم

واضطرابهم ، عاد أبو ( درخوش ) بعد أن

مدّ رأسه داخل الغرفة ، وتكلّم بضع كلمات

مع ( حليمة ) زوجته التي تتردّد حولها

شائعات تقول بأنّ زوجها أبو ( درخوش )

يسمح للرجال بالنٌوم معها مقابل عدّة

ليرات ، متّخذاً الغرفة الوحيدة مقرّاً لذلك ،

بينما يتمشّى هو في باحة الدّار .

       قال أبو ( درخوش ) موجّهاً كلامه

للصبٌية :

- حظّكم جيّد ، منذ قليل انتهيت من تغسيل

العروس .

       تشجّع ( عثمان ) وهو يكبر رفاقه

بالسٌن ، فقال :

- نحنُ يا أبا ( محمود ) ..

هكذا كانوا ينادونه في حضوره ، لأنٌ لقبه

يطلق عليه في غيابه ، لكنّ بالطّبع كان

يعرف هذا اللقب .

- نريد أن نعرف كم ستأخذ منّا ، مقابل أن

تتركنا مع العروسة ؟

       كتم أبو ( درخوش ) ابتسامته ، وقطّب

وجهه القبيح متّخذاً طابع الجّد والتفكير ،

رفع يده وأخذ بأصابعه المثقلة بالخواتم

الحديدية ، يفتّل ( شواربه ) الغليظة

كسيكارته ، وقال :

- سآخذ ربع ليرة فقط من كلّ واحد منكم .

قاطعه ( عثمان ) وقد زال عنه حياؤه

واضطرابه :

-  ياأبا ( محمود ) ، نحن كثرة ، نريد أن نتّفق

معك على الجّملة ، والجّملة غير المفرّق .

       عادت الابتسامة المصحوبة بالزّبد

واللعاب ، ترتسم على فمه الواسع التّكشيرة

والمرصّع بأسنانٍ ذهبيّة متفرّقة :

- أنتم معذورون ، لأنّكم لا تعرفون العروس ،

لكن أقسم لكم بشرفي الذي لا أملك غيره ،

وليس لكم عليّ يمين .. بأنَّ هذه العروس

الزّرقاء لا مثيل لها ، فهي من تركيا أصيلة ،

ذات حسب ونسب ، جميلة وصغيرة ، لا

تغدر ولا تقاوم وهذا شيء تحمد عليه ، ولا

تهرب من فارسها ،وهذه ميّزة حسنة وهي  

لا تنزعج من الإقتراب منها ، وهذه عادة

رائعة ومن النادر توافرها في غيرها ، إنّها

لطيفة وحسنة المعشر ، ولا تصدر صوتاً أو

نهيقاً .. وهي نظيفة حيث أغسلها بالماء

والصابون ، وأقوم بتعطيرها ، فرائحتها

طيبة ، والأهم من كلّ ذلك ، وأقسم لكم

بشرفي الغالي أنّني لا أطعمها غير الشّعير

النظيف والغالي الثمن ، وأنتم تعرفون كم

سعر الكيلو غرام منه ، إنّها تكلفني الكثير ،

بغضّ النظر عن تعبي واهتمامي الدّائمين ،

هل تعلمون أنّني لم أضعها مع زملائها

الحمير خوفاً عليها منهم ، فهي جميلة وصغيرة

، ولقد اختلفت مع زوجتي ( أم محمود ) بسببها ،

لأنّني الغيت المطبخ ، وخصّصته لها ، وصرنا نطبخ

في غرفتنا الوحيدة ، لكي أضعها في  بمفردها ،

ليأخذ الزّبون راحته معها .. هل كثير بعد كلّ هذا

مبلغ الربع ليرة ؟ .

قال ( عثمان ) بأعصاب باردة :

- ونحن يا أبا ( محمود ) لن ندفع لك سوى

( فرنكين ) على الواحد منّا .

   أرادَ أبو ( دَرخُوش ) أن يتكلّم ، لكنّه توقّف

بعد أن نظر إلى الأولاد بعينيهِ المعمصتينِ

نظرة توحي باللومِ والعتابِ ، واتّجهَ نحو

الزّريبةَ الخاصّةَ بالعروس :

- تفضلوا .. القوا نظرة عليها ، قسماً بشرفي ،

والشّرف غالي كما تعرفون .. منذ يومين

حمّمتها ( بالكالونيا ) .

     إمتطّت أعناقَ الفتية الصغار ، واندسّت

رؤوسهم من خلال الباب الموارب ، ناظرينَ

إلى ( العروس ) الواقفة بكلَّ استكانة ،كانت

بحجم النّعجةِ ، ولمحوا في جسدها وقوائمها

بعض الجّروح المدّماة ، والذباب يتطاير

فوقها بكثرة ، كانت مربوطة بالرَّسن

وقوائمها الأربع موثقة بحبلٍ متينٍ وغليظٍ ،

بينما كان رأسها الكبير مزيّناً بباقة وردٍ

حمراء اللون ، جافة الأوراق ، أمّا عيناها

الواسعتان ، فقد غطّاهما الدّمع والوسخ

الأصفر :

- انظروا بأنفسكم ، واحكموا .. بذمّتكم ألا

تستحقّ الرّبع ليرة ؟! .

     كرّر ( عثمان ) موقفه الذي بدأ يضايق

الأولاد جدّاً ، فهم على عجلة من أمرهم :

- ( فرنكين ) فقط يا أبا ( محمود ) .. وإلّا

دعنا نخرج .

     حينما أدرك أبو ( درخوش ) ثبات موقف

الأولاد .. أجاب :

- على بركة الله .. إتّفقنا .. هاتوا النقود

سلفاً .

     أخرج كلّ من الأولاد ( فرنكين ) أصفرين

من جيوبهم ، وسلّموا جميعهم النقود لأبي

( درخوش ) الذي قال :

- تفضّلوا .. ولكن بالدّور طبعاً ، و بسرعة.

   دخل ( عثمان ) الزّريبة في البداية ، وأغلق

الباب الخشبي خلفه . ووقف الجّميع في

باحة الدار يدخّنون وينتظرون ، يسيطر

عليهم الخوف والإضطراب والقلق ، بينما

أسند أبو ( درخوش ) ظهره إلى الحائط ،

منهمكاً بدرج سيكارته .

كان ( رضوان ) آخر من دخل على

( العروس ) ، وكان كثير من الحيرة وغير

قليل من الإرتباك يسيطران عليه ويضغطان

على أعصابه . فكَّ أزرار البنطال ، أنزله إلى

الركبتين ، إعتلى الحجر ، وقف بشكل

مناسب تماماً .

     كانت ( سمر ) الشّقراء في مخيّلته ،

( سمر ) الرائعة الجمال ، زوجة رئيس

المخفر ( أبي ضرغام ) الذي يخافه جميع

أهل البلدة ، بمن فيهم والده ، الذي وقع

تحت رحمة سوطه مدّة ثلاثة أيام ، بحجّة

تعاطيه الحشيش ، ولم يفرج عنه ، إلّا بعد

أن أخذ منه مئتي ليرة رشوة ، وإذا كان أبو

( ضرغام ) مكروهاً من قبل أهل البلدة ، فإنَّ

حبهم جميعاً كان منصبّاً على زوجته الشّقراء

( سمر ) ، كانوا يحبونها إلى درجة العشق ،

فهي الوحيدة التي تخرج إلى الحارات

سافرة دون ملاية سوداء ، متبرّجة معطّرة ،

ولطالما وقف ( رضوان ) أمام باب بيتها الذي

لا يغلق ، ليراقب حركات جسدها اللدن ،

الذي لا يفارق خياله .

     بينما كان ( رضوان ) سارحاً بخياله ،

فاجأته ( العروس ) بنهيقها العالي ، فجفل

وانسحب بسرعة ، وخرج ملوثاً ، وهو في

أشدّ حالات الضّيق ، فأخذ ( سامح ) ورفاقه

يضحكون منه بصخب ، حتى خيّل له أنَّ

السّماء والجّدران الحوّارية المتهالكة

تشاركهم قهقهاتهم تلك ، ومنذ ذلك اليوم ،

ورفاقه يضحكون منه كلّما صادفوه ، وقد

أطلقوا عليه لقب ( العريس ) .

    لكن ماحدث بعد ذلك ، شيء فظيع ، فبعد

أيام بدأ ( رضوان ) يشعر بالحكّة ، وأخذت

تتزايد ، ثم برزت بثور ناعمة صفراء ،

إنتشرت سريعاً ، حتى إكتشف،أهله الأمر .

                        مصطفى الحاج حسين .

    يتبعها الفصل ( التاسع )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق