الثلاثاء، 14 مايو 2019

خراسان مدينة التاريخ والحضارة والعلم _____________ د. صالح العطوان الحيالي -العراق

خراسان مدينة التاريخ والحضارة والعلم
_____________ د. صالح العطوان الحيالي -العراق - 3-5-2019
لا توجد دولةٌ حالياً تسمّى خراسان، بل هي منطقةٌ جغرافيةٌ كان لها دورٌ كبيرٌ في رسم الملامح الإسلاميّة للمنطقة، فمن الناحية التاريخيّة كان هناك إقليم خراسان الإسلاميّ، وكان يمتدّ من شمال غرب أفغانستان، وأجزاءٍ من جنوب تركمنستان، بالإضافة إلى مقاطعة خراسان التي تقع اليوم في إيران، أما إقليم خراسان الساساني فكانت مساحته أقلّ من مساحة الإقليم الإسلاميّ، وكان إقليم خراسان الساسانيّ يشكّل قلب الدولة الإيرانية، وخراسان اليوم مقسّمةٌ بين إيران وأفغانستان، وتركمانستان.
حدود خراسان
ــــــــــــــ هي بلاد واسعة تتاخم العراق من الغرب ، والهند وأفغانستان من الشرق ، ومن الجنوب كرمان وسجستان ، ومن الشمال تركستان ، وبحر الخزر
وصف خراسان ومستوطنيها
ـــــــــــــــــــــــ عرفت خراسان بطيب الهواء وعذوبة الماء وصحة التربة وعذوبة الثمرة ، وعرف أهل خراسان بأحكام الصنعة وتمام الخلقة وحسن الوجوه وجودة السلاح والدروع والثياب وهو الذين قتلوا فيروز بن يزدجر ملك الفرس وهم قتلوا كسرى بن قباذ ، وهم أهل تجارب وأصبرهم على البؤس وإنهم دخلوا في الإسلام رغبة وطوعا وهم أشد الناس بالدين تمسكا فمنهم المحدثون والعلماء والعباد ، وقال ابن قتيبة : أهل خراسان أهل دعوة وأنصار دولة ولم يزالوا في أكثر ملك العجم لقاحا لا يؤدون إلى أحد إتاوة ولا خراجا .
خراسان في ظل الدولة الإسلامية
ـــــــــــــــــــــــ خضعت خراسان كغيرها من المناطق المجاورة للحكم الإسلاميّ، وكان ذلك في عام 651م، وواجه الفاتحون مقاومةً شديدةً، إذ تتصف شعوب هذه المناطق بالصلابة، والشجاعة، وقوة الأبدان، لذلك كانوا من أكثر الشعوب دفاعاً عن الإسلام بعد أنْ دخلوا فيه، وكانت خراسان نقطة انطلاقٍ للثقافة الإسلاميّة؛ فقد اعتنى الأمويّون والعباسيّون من بعدهم بهذا الإقليم ببناء المراكز الإسلاميّة، فأصبح من أهمّ مراكز الثقافة والعلوم الإسلاميّة، وظهر من هذا الإقليم الكثير من علماء الدين، والمحدّثين، والدعاة الذين يجوبون أرجاء الأرض لتعليم الناس الدين الإسلاميّ، وكانت لهم مؤلفاتهم الدينيّة التي تعتبر مراجع لكثيرٍ من العلوم.
سكان خراسان
ـــــــــــــــ أغلب السكان في خراسان ينتمون إلى الأصل الفارسيّ، ونسبة قليلةٌ منهم تعود إلى أصل البلوش، والبشتيون، والأتراك، فقبل الإسلام كان الناس يدينون بالمجوسيّة، إلا أنهم بعد الفتح الإسلاميّ، وبعد أن اطّلعوا على صدق هذا الدين وعدله بين الناس اعتنقوه طواعيةً، وأصبحوا من أكثر الناس صلابةً في الدفاع عنه، كما حملوا رايات الجهاد في سبيل نشره في بقاع الأرض، واشتهرت بعض مدنهم حيث أصبحت منارة للدين الإسلاميّ، ومن أهم هذه المدن مدينة نيسابور، وبلخ، ومرو، ويعتبر أهل خراسان من المسلمين المتشدّدين بأحكام الدين، وكانوا السد المنيع في وجه امتداد النظريّة الاشتراكيّة التي حاولت الحكومات الاشتراكيّة نشرها بين شعوب المنطقة، وخاضوا حروباً ضاريةً مع التنظيمات الاشتراكيّة دفاعاً عن دينهم وعقيدتهم.
بلاد خراسان
ـــــــــــــــ كلمة مركبة من (خور) أي: شمس، و(أسان)، أي: مشرق، كانت مقاطعة كبيرة من الدولة الإسلامية، حدودها مما يلي العراق، وآخر حدودها، مما يلي الهند، ومن أطراف حدودها طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، ومن أهم مدنها: نيسابور وهراة، ومرو وبلخ وطالقان ونسا، وأبيورد وسرخس، تتقاسمها اليوم إيران الشرقية (نيسابور)، وأفغانستان الشمالية (هراة وبلخ)، ومقاطعة تركمانستان (مرو).
الفتح الإسلامي
ــــــــــــــــ تذكر المصادر التاريخية أنه تم في عهد خلافة عمر بن الخطاب فتح خراسان ، إذ انهزم يزدجرد الثالث بن شهريار ، فلما انتهى إلى الري خرج منها إلى أصبهان ثم أتى كرمان والنار معه ثم عزم على خراسان فأتى مرو فنزلها وقد نقل النار فبنى لها بيتا واطمان في نفسه وأمن أن يؤتى وكاتب من مرو من بقي من الأعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون فدانوا له فإذن عمر بن الخطاب للمسلمين في الإنسياح فخرج الأحنف بن قيس إلى خراسان فدخلها من الطبسين فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار العبدي ثم سار إلى مرو الشاهجان وفيها يزدجر ، وبعث الأحنف مطرّف إلى نيسابور ، والحارث بن حسان إلى سرخس ، ولما دنا الأحنف من مرو الشاهجان، خرج منها يزدجرد إلى مرو الروذ حتى نزلها ، وبمرو الروذ كتب يزدجر إلى خاقان يستمده ، وكتب إلى ملك الصغد يستمده وكتب إلى ملك الصين يستعينه أيضا . خرج الأحنف من مرو الشاهجان استخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعدما لحقت به إمداد أهل الكوفة قاصدا مرو الروذ ، فلما بلغ ذلك يزدجر خرج منها إلى بلخ ونزل الأحنف مرو الروذ وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ فهزم الله يزدجر وتوجه في أهل فارس إلى النهر فعبر ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتح الله عليهم وكتب الأحنف إلى عمر بفتح خراسان ، فقال : لو وددت أني لم أكن بعثت إليها جندا ، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها بعد أن عقد الصلح مع أهل خراسان ممن تحصن فيما بين نيسابور إلى طخارستان ممن كان في مملكة كسرى فكتب عمر إلى الأحنف فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان فداوموا على الذي دخلتم به خراسان يدم لكم النصر وإياكم أن تعبروا فتنغضوا وكان ذالك في فتحت في سنة 22هـ
الحركة العلمية في خراسان
ـــــــــــــــــــــ شهد فتوحات بلاد خراسان الكثير من الصحابة والتابعين، وحبذ بعضهم الاستقرار فيها حتى وفاته. قال الحاكم: "نزل خراسان من الصحابة وتوفي بها بريدة بن حصيب الأسلمي، مدفون بمرو، وأبو برزة الأسلمي والحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الله بن خازم الأسلمي المدفون بنيسابور، وقثم بن العباس المدفون بسمرقند" . ويعني نزول أحد الصحابة، أو أحد كبار التابعين في بلد من هذه البلاد انتشار العلم فيها، وتبليغ سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبمرور الزمن نشطت الحياة الفكرية في هذه المدن، وأصبحت مراكز علمية تقصد من قبل طلاب الحديث، ويرحل إليها. ومن أهم هذه المراكز:
1- الدينور:
ـــــــــ مدينة من أعمال الجبل قرب قرميسين، وتقع أطلال مدينة الدينور على نحو خمسة وعشرين ميلاً (الميل= 1,6 كيلو) من غربي كنكوار (مدينة إيرانية) وعلى نحو ستين ميلاً جنوب مدينة سحنة، وهي القاعدة الحديثة لإقليم كردستان الفارسي أي الجهة الغربية الشمالية من إيران الحديثة. ينسب إليها خلق كثير من أهل الأدب والحديث والعلوم، مثل: محمد بن عبد العزيز، وأبو محمد بن قتيبة الدينوري، وعبد الله بن وهب أبو محمد الدينوري الحافظ، وأبو حنيفة الدينوري عالم النبات والمؤرخ .
2- همذان:
ــــــــــ بالتحريك، والذال معجمة، وآخره نون همذان بينها وبين الري ستون فرسخاً (الفرسخ= 6 كيلو متر). وهي دار السنة، صار بها علماء من سنة 200 هـ، وهلم جراً .3- قزوين:
ـــــــــ بالفتح ثم السكون، وكسر الواو، وياء مثناة من تحت ساكنة ونون، مدينة مشهورة، بينها وبين الري سبعة وعشرون فرسخا. وتقع قزوين في الوقت الحاضر على نحو مائة ميل شمال غربي طهران، وهي في أسفل الجبال العظيمة، وينسب إليها خلق لا يحصون، ومنها محمد بن سعد ابن سابق الرازي القزويني، والطنافسي، وعمرو بن رافع، وابن ماجه، وخلق غيرهم .
4- جرجان:
ــــــــــ بالضم، وآخره نون، مدينة عظيمة مشهورة بين طبرستان وخراسان، وتسمى جرجان في الوقت الحاضر (كركان)، وتمتد هذه المدينة في جنوب شرقي بحر قزوين في نهاية الخط الحديدي القادم من طهران. وقد خرج منها خلق من الأدباء، والعلماء، والفقهاء، والمحدثين .
5- نيسابور:
ـــــــــــــ فتح أوله، مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء ومنبع العلماء، وتسمى في الوقت الحاضر نيشابور وتقع إلى الجنوب من (مشهد) وعلى بعد 125 كم منها. وقد خرج منها من أئمة العلم من لا يحصى، وتسمى دار السنة والعوالي، صارت بإبراهيم بن طهمان، وحفص بن عبد الله، ثم يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه .
6- طوس:
ــــــــــــ مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ، وطوس في الوقت الحاضر قرية صغيرة عامرة تقع إلى الشمال الغربي من (مشهد) وعلى بعد 20 كم منها على ضفة نهر هراة، ومشهد مدينة إيرانية مشهورة دفن بها الإمام ا علي الرضا (ت:202هـ) بجانب قبر الخليفة هارون الرشيد (ت: 193هـ) رحمهما الله. وقد خرج منها من أئمة أهل العلم، والفقه ما لا يحصى كمحمد بن أسلم الطوسي، وأصحابه
7- هراة:
ـــــــــ بالفتح مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان، وهي في الوقت الحاضر من المدن الأفغانية المشهورة تقع على مجرى نهر هاري، ومن أئمتها عبد الله بن واقد، والفضل بن عبد الله الهروي .
8- مرو:
ــــــــــ وتسمى مرو الشاهجان: وهي مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، بينها وبين نيسابور سبعون فرسخاً، وتقع مرو اليوم ضمن بلاد التركمان (تركمانستان). وقد خرَّجت من الأعيان، وعلماء الدين، والأركان ما لم تخرِّج مدينة مثلهم، وكان بها بريدة بن الحصيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطائفة من الصحابة، ثم عبد الله بن بريدة ويحيى بن يعمر، وعدة من التابعين ثم ابن المبارك، وسفيان، والإمام أحمد وغيرهم .
9- بلخ:
ـــــــــ مدينة مشهورة بخراسان وهي من أجل مدن خراسان، وأذكرها، وأكثرها خيراً، وأوسعها غلة وتقع على نهر يعرف باسمها. وهي إلى الغرب من مدينة مزار شريف- حيث دفن فيه على ما يقال الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو كذب صريح - على مسافة مائة كيلومتر تقريباً.
وينسب إليها خلق كثير منهم :محمد بن علي بن طرخان بن عبد الله أبو بكر البلخي البيكندي، وكان حافظاً للحديث حسن التصنيف توفي سنة 278هـ، والحسن بن شجاع الحافظ وغيرهما . وهي من المدن الأفغانية المهمة في الوقت الحاضر.
10- بخارى:
ـــــــــــ بخارى بالضم، من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلها، وينسب إليها خلق كثير من أئمة المسلمين في فنون شتى، منهم المسندي، والبخاري . وتقع الآن في جمهورية أوزبكستان.
11- سمرقند:
ــــــــ بفتح أوله وثانيه، بلد معروف مشهور، قامت منذ عام 1871 مدينة روسية جديدة إلى الغرب من مدينة سمرقند ربطت بالسكة الحديدية مع الخط الحديدي الخاص ببلاد ما وراء بحر قزوين. وينسب إليها جماعة كثيرة كأبي عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد ابن نصر المروزي .
12- الشاش:
ـــــــــ بالشين المعجمة، نسب إليها خلق من الرواة والفصحاء، وهي بما وراء النهر، وهي آخر بلاد الإسلام التي بها الحديث، وتسمى في الوقت الحاضر (تاشكند) أو (طشقند) وهي عاصمة أوزبكستان، منها الحسن بن الحاجب، والهيثم بن كليب .
13- فرياب:
ـــــــــ بكسر أوله، وسكون ثانيه، ثم ياء مثناة من تحت، وآخره باء موحدة بلد من نواحي بلخ، إن خرائب مدينة فرياب (فارياب) قد تطابق ما يعرف اليوم بـ (خيراباد) حيث توجد قلعة قديمة تحيط بها تلول من الآجر وكانت من أجل مدن الجوزجان في العصور الوسطى، والجوزجان مدينة مشهورة في أفغانستان الحديثة. خرج منها جماعة من العلماء أقدمهم محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري، ومنهم القاضي جعفر بن محمد الفريابي صاحب التصانيف سمع بفرياب في سنة 226هـ .
14- خوارزم:
ـــــــــــــ أوله بين الضمة والفتحة، والألف مسترقة مختلسة ليست بألف صحيحة هكذا يتلفظون به، بلد كبير، وخوارزم في الوقت الحاضر في بلاد جمهورية أوزبكستان قريبة من بحيرة خوارزم التي تعرف الآن باسم بحر آرال. والذين ينسبون إليه من الأعلام والعلماء لا يحصون، منهم داود بن رشيد، أبو الفضل الخوارزمي توفي سنة 239هـ .
15- شيراز:
ــــــــــــ بالكسر، وآخره زاي، بلد عظيم مشهور معروف مذكور وهو قصبة بلاد فارس. وتقع الآن جنوبي أصبهان، وقد نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء في كل فن، ومن محدثيها: الحسن بن عثمان بن حماد بن حسان القاضي الشيرازي، توفي سنة 272هـ .
16- أصبهان:
ـــــــــ منهم من يفتح الهمزة وهم الأكثر، وكسرها آخرون، مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، وهي الآن من أشهر المدن الإيرانية. وقد خرج منها من العلماء والأئمة في كل فن ما لم يخرج من مدينة من المدن وعلى الخصوص علو الإسناد؛ فإن أعمار أهلها تطول، ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث، وبها من الحفاظ خلق لا يحصون ....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق